23 - 01 - 2020

حمدين صباحي يطالب بتقديم وزير الداخلية وضباط تحريات "قضية الأمل" للتحقيق بتهمة "تضليل العدالة"

حمدين صباحي يطالب بتقديم وزير الداخلية وضباط تحريات

وصف المرشح الرئاسي الأسبق حمدين صباحي الاتهامات الموجهة للمحبوسين على ذمة قضية "تحالف الأمل" بأنها "طبخة" قدمها بيان وزارة الداخلية تمثل الكذب الرخيص، والتشويه الخسيس، وأن أحقر هذه التهم وأفجرها وأكثره مدعاة للاستفزاز والاشمئزاز إتهام هؤلاء بدعم الإخوان، بينما الحقيقة أنهما خصمان لا يلتقيان.

وقال صباحي في مقال مطول تنشره صحيفة المشهد الاسبوعية على صفحتين، بعددها الصادر غدا الثلاثاء، " لو كنا دولة تقيم العدل لما وُجِّه لواحد من هؤلاء اتهام، ولما قضى ساعة واحدة في ظلام الظلم وعتمة السجون.ولو أننا في دولة القانون كما ينص الدستور، وتكذبه الوقائع، لتم إحالة الضباط الذين طبخوا محاضر التحريات في قضية الأمل وغيرها، هم ورؤسائهم ووزيرهم إلى التحقيق بتهمة البلاغ الكاذب، وتهمة تضليل العدالة". 

وأضاف صباحي: بمثل هذا الطبيخ الكذوب غلقت أبواب الزنازين على بعض أنبل وأشرف أبناء مصر، (وأصبحوا) محرومين من الحرية، ممنوعين من العطاء لوطنهم في وقت هو أشد ما يكون حاجة لهذا العطاء البناء، وهم أشد ما يكونون استعداداً لبذله حباً وكرامة".

واوضح صباحي أن قائمة المحبوسين الذين حرموا من المشاركة في العطاء لوطنهم تطول وتضم : "يحيي حسين عبد الهادي، محمد منيب، أحمد دومة، هيثم محمدين، عبدالمنعم أبوالفتوح، شادي الغزالي حرب، محمد القصاص، وليد شوقي، هشام جنينة، محمد رمضان، أحمد صبري أبوعلم، شادي أبو زيد، رامي شعث، جمال عبد الحكيم، خالد سعيد. ومن قبلهم إلى وقت قريب: معصوم مرزوق، رائد سلامة، يحيي القزاز، عبدالعزيز الفضالي، جمال عبد الفتاح، حسن حسين، خالد البسيوني"..
وأضاف المرشح الرئاسي الأسبق "ما أطول قائمة الشرف.. وما أنبل صمود الشرفاء. 

وانتقد عدم استجابة النائب العام لطلب بالاستماع إلى شهادة في القضية قدمه رؤساء الأحزاب الشرعية التي كانت تحاول الدخول في ائتلاف سياسي لخوض الانتخابات المقبلة، فقال: "لو أن مؤسسات العدالة حريصة، وقادرة على إقامة العدل، لاستجابت لطلب رؤساء الأحزاب  المقدم للنائب العام لسماع شهادتهم في قضية تحالف الأمل. وقد كانوا جميعاً وكنت معهم شركاء في حوار جاد، يلتزم الدستور والقانون، لإقامة تحالف انتخابي بين الأحزاب والشخصيات العامة ونواب الشعب المنتمين للتيار المدني الديمقراطي الساعين للتغيير المشروع بالوسائل السلمية الدستورية، ولا زالوا وأنا معهم، نجدد طلب الاستماع لشهادتنا تبرئة لحسام وزياد ومن معهم واحتراماً للحقيقة".

واستطرد صباحي قائلا: "لو أننا دولة تحتكم إلى رشد الفعل السياسي، لا سطوة العضلات الأمنية لسعينا للحقيقة ووفرنا على شعبنا كثيرًا من كلفة الظلم والكراهية وإعادة انتاج الأخطاء، لكنهم لا يحبون الحقيقة، انهم يفضلون الطبيخ. ومن سخرية القدر أنهم لا يجيدون الطبخ".

وأضاف: "كان ممكنا أن نوفر علي مصر كل هذا الحزن والقهر والهدر والتبديد لو أنهم يريدون الحقيقة. لكن سادة العضلات الأمنية لا يحبون الحقيقة، يعلمونها وينكرونها، ويفضلون طبخ الأكاذيب، ولا يأكلونها، بل يسارعون بتقديمها للشعب، وهم لا يدرون - أو ربما يدرون - أن شعبنا " ماعادش بياكل من الكلام ده " بعد أن ذاقه فعافهم وعافه". 

وهذا نص المقال المنشور في عدد المشهد الإسبوعي

من جنة القلب نهر محبة لفتحى المغربى وحفيده حسام مؤنس الذي يغني ونرد معه: بكرة الآتي آت
حمدين صباحي يكتب عن المتهمين بالأمل
- التهم مكونات منتهية الصلاحية معبأة بدون إحكام محفوظة بلا تهوية في مخازن الداخلية، وجاهزة لتحضير وجبات الكذب السريعة
- طبخة بيان الداخلية كذب رخيص، وتشويه خسيس، أحقره وأفجره وأكثره مدعاة للاستفزاز والاشمئزاز إتهام هؤلاء الفرسان بدعم الإخوان!
- لو أننا في دولة القانون لتم إحالة الضباط الذين طبخوا التحريات ورؤسائهم ووزيرهم إلى التحقيق بتهمة البلاغ الكاذب، وتهمة تضليل العدالة
- لو أن مؤسسات العدالة حريصة، وقادرة على إقامة العدل، لاستجابت لطلب رؤساء الأحزاب الشرعية وأنا منهم لسماع شهادتهم في القضية
- أصدقاء حسام من أبناء جيله الذين لم يعرفوا جده، وربما لم يسمعوا به، قد يجدون فيما وصفت به الجد كثيراً مما يصفون به الحفيد
- المقارنة بين حسام مؤنس وجده فتحي المغربي توضح الفارق بين سلطة تبحث عن الشباب لتحملهم أمانة القيادة، وأخرى لتودعهم السجن.
- هل يستطيع لون البدلة مهما كان مموهاً أن يحجب التناقض بين التحرر الوطني والتبعية؟ بين العدالة الاجتماعية ورأسمالية السوق؟
- لم يزل في سمعي صوت كمال أبو عيطة يغني "عشان لقوني يا مصر شايلك جوه صدري غربوني" في ملحق مزرعة طرة 1981.

"1"

لم أسأل حسام عن الجنة الزاهرة فى قلبه، فقد كنت أراها. لكننى وددت لو سألته ــ لأطمئن ــ هل رأيتها؟ هل اكتشفت جنة قلبك؟ هل اهتديت إلى أبوابها ودخلتها بسلام، تجولت فى بساتينها، وسبحت فى أنهارها، وتفيأت ظلالها، واتكأت على سررها، وغسلت روحك بالرضا والنور؟

===

قبيل فجر 25 يونيو الفائت كانت عصبة القساة الملثمين تقتحم شقة حسام الهادئة فى حى المنيل. حطمت الباب وقلبت الأثاث، وأفزعت "فيروزة" و"مجد" وأمهما، وألقت القبض على أبيهما، واقتادته معصوب العينين فى ركب شديد الحراسة، وألقت به فى غيابة الجب.

بالتوازي مع إنجاز عصبة الملثمين كانت زمرة من الطهاة محدودي المهارة قد سلقت على عجل إحدى وجباتها المسمومة التي تعافها الذائقة السوية ويزكم عفنها الأنوف، وشرعت في توزيعها على منصاتها الإعلامية وذبابها الإلكتروني.

تجمع الطبخة بين الإرهاب والتمويل ودعم جماعة بلا إسم في تحقيق أهدافها ونشر أخبار كاذبة، وكلها مكونات منتهية الصلاحية معبأة بدون إحكام محفوظة بلا تهوية في مخازن الداخلية، وجاهزة لتحضير وجبات الكذب السريعة، كلما عنَّ لسادة العضلات الأمنية أن يمارسوا سياستهم المفضلة في الاغتيال المعنوي لكل صاحب رأي.

-------------------------

كل من يعرف مثلي الفرسان الثلاثة، حسام مؤنس وزياد العليمي وهشام فؤاد، يوقن مطمئناً أن الطبخة التي قدمها بيان وزارة الداخلية عن تحالف الأمل ما هي إلا كذب رخيص، وتشويه خسيس، أحقره وأفجره وأكثره مدعاة للاستفزاز والاشمئزاز إتهام هؤلاء الفرسان بدعم الإخوان بينما الحقيقة أنهما خصمان لا يلتقيان.

وإن كان هذا يسري على من أعرفهم بشكل شخصي من معتقلي الأمل، فهو بالتأكيد يسري على آخرين لا أعرفهم بشكل شخصي كالناشطين بالحقوق العمالية حسن البربري وأحمد تمام وغيرهم بهذه القضية إضافة الى أصدقاء وعاملين بمكتب نائب الأمل أحمد الطنطاوي. 

كان ممكنا أن نوفر علي مصر كل هذا الحزن والقهر والهدر والتبديد لو أنهم يريدون الحقيقة.

لكن سادة العضلات الأمنية لا يحبون الحقيقة، يعلمونها وينكرونها، ويفضلون طبخ الأكاذيب، ولا يأكلونها، بل يسارعون بتقديمها للشعب، وهم لا يدرون - أو ربما يدرون - أن شعبنا " ماعادش بياكل من الكلام ده " بعد أن ذاقه فعافهم وعافه.

بمثل هذا الطبيخ الكذوب غلقت أبواب الزنازين على بعض أنبل وأشرف أبناء مصر، محرومين من الحرية، ممنوعين من العطاء لوطنهم في وقت هو أشد ما يكون حاجة لهذا العطاء البناء، وهم أشد ما يكونون استعداداً لبذله حباً وكرامة.

والقائمة تطول: يحيي حسين عبد الهادي، محمد منيب، أحمد دومة، هيثم محمدين، عبدالمنعم أبوالفتوح، شادي الغزالي حرب، محمد القصاص، وليد شوقي، هشام جنينة، محمد رمضان، أحمد صبري أبوعلم، شادي أبو زيد، رامي شعث، جمال عبد الحكيم، خالد سعيد. 

ومن قبلهم إلى وقت قريب: معصوم مرزوق، رائد سلامة، يحيي القزاز، عبدالعزيز الفضالي، جمال عبد الفتاح، حسن حسين، خالد البسيوني..
ما أطول قائمة الشرف.. وما أنبل صمود الشرفاء.
لو كنا دولة تقيم العدل لما وُجِّه لواحد من هؤلاء اتهام، ولما قضى ساعة واحدة في ظلام الظلم وعتمة السجون.

ولو أننا في دولة القانون كما ينص الدستور، وتكذبه الوقائع، لتم إحالة الضباط الذين طبخوا محاضر التحريات في قضية الأمل وغيرها، هم ورؤسائهم ووزيرهم إلى التحقيق بتهمة البلاغ الكاذب، وتهمة تضليل العدالة.

ولو أن مؤسسات العدالة حريصة، وقادرة على إقامة العدل، لاستجابت لطلب رؤساء الأحزاب الشرعية المقدم للنائب العام لسماع شهادتهم في قضية تحالف الأمل. وقد كانوا جميعاً وكنت معهم شركاء في حوار جاد، يلتزم الدستور والقانون، لإقامة تحالف انتخابي بين الأحزاب والشخصيات العامة ونواب الشعب المنتمين للتيار المدني الديمقراطي الساعين للتغيير المشروع بالوسائل السلمية الدستورية، ولا زالوا وأنا معهم، نجدد طلب الاستماع لشهادتنا تبرئة لحسام وزياد ومن معهم واحتراماً للحقيقة.

ولو أننا دولة تحتكم إلى رشد الفعل السياسي، لا سطوة العضلات الأمنية لسعينا للحقيقة ووفرنا على شعبنا كثيرًا من كلفة الظلم والكراهية وإعادة انتاج الأخطاء، لكنهم لا يحبون الحقيقة، انهم يفضلون الطبيخ. ومن سخرية القدر أنهم لا يجيدون الطبخ .
***

حين بلغنى نبأ القبض عليه، ووسط جيشان المشاعر، غمرتنى موجة من الطمأنينة وطغت على وجهى ابتسامة واثقة، فقد استيقنت أن حسام بينما يغلقون عليه مصاريع زنزانته - يدخل الآن جنة قلبه آمناً مطمئناً.

***

"جنة المؤمن فى قلبه يحملها أينما ذهب".

لا أذكر متى قرأت، أو سمعت، هذه الحكمة البليغة التى أضاءت قلبى، ولم أستدل على قائلها، ولأننى أحب أن يشبه القول قائله، فقد نسبتها للإمام على الذى أحببته مذ وعيت. ومن أجدر بحكمة بليغة من باب مدينة الحكمة وصاحب نهج البلاغة؟

لكن بلاغة العبارة لم تكتسب حلاوة المعرفة إلا حين ألقت بى يد الله فى التجربة، هناك فى عتمة السجن أضاءت جنة قلبى، فذقت وعرفت. اهتديت إلى أبوابها ودخلتها بسلام، فكانت ملاذى من ظلام السجن ومرتع الأنس فى الحبس الانفرادى، وفيها انطلقت حراً لا يحدنى قيد ولا يردنى سور، وأقمت آمناً مطمئناً، ساخراً من الجدران، مشفقاً على السجان.. وهذا هو ما يفعله حسام الآن.

***

ليس لك دور فى وجود جنة قلبك، دورك هو اكتشافها.

وقد خلق الله الناس سواسية، فأودع فى كل منهم العقل والكرامة وجنة القلب، ثم ترك لهم حرية الاختيار.. ولازال البشر يتفاوتون فى ترقية عقولهم وصون كرامتهم واكتشاف جنات قلوبهم.

فإذا اهتديت إلى جنة قلبك بعد طول مجاهدة ، أو هُديت إليها فى لحظة كشف نورانى، فستعرف أن كل ما فيها هو نبت المحبة، أنهارها وأشجارها وسندسها ونورها، وما فيها من نعم لا تعد ولا تحصى، كلها كلها، تخلقت من عنصر أول واحد، هو المحبة التى تسرى فيها كما يسرى الماء فى كل شىء حى.

***

"2"

ما أكثر وأعذب أنهار المحبة التى تجرى فى جنة قلبى.

منها نهر صاف عفى، يغذيه ينبوعان أولهما فتحى المغربى وثانيهما حفيده حسام مؤنس.

كان المهندس فتحى المغربى نموذجاً فريداً للرجال ذوى الهمة، كبار النفوس، قوياً ودوداً، هادئاً حاسماً، كثير الإنصات قليل الكلام، فإذا قال حسم. رأيه مرآة ضميره، لا يحابى به أحداً، ولا يكيد لأحد. عفيف المسلك عف اللسان، إذا اختلف لا يجرح مخالفيه، وإذا اتفق لا يطنب فى مدح موافقيه. يحسن التمهل فى التفكير والمسارعة فى العمل، قادر على اقتراح الحلول، ذو نزوع عملى إجرائى يفسح الطريق للتقدم ولو خطوة إلى الأمام. معجون بشعور المسئولية تجاه ناسه وقناعاته. محتفظ بالتحفظ الريفى الخجول الذى يكبح تعبيره عن مشاعره مهما تدفقت، ولا يفارق وجهه طيف ابتسامة خفية تتأهب للسطوع لترقق جدية ملامحه. وكانت له هيبة الصادقين.

أصدقاء حسام من أبناء جيله الذين لم يعرفوا جده، وربما لم يسمعوا به، قد يجدون فيما وصفت به الجد كثيراً مما يصفون به الحفيد. إذن فقد أحسن الخلف صون سجايا السلف، بوركت الشجرة الطيبة.

لقد عرفت فتحى المغربى فاحترمته وأكبرته وأحببته، وأحب أن يعرفه أصدقاء حسام ، لهذا أفتح بهذه السطور نافذة على عالمه الرحب لعلهم يطلون منها على رجل جدير بأن نتذكره باعتزاز ومحبة.

***

ابن ريف مصر.فى قلب الدلتا بقرية أتميده، ميت غمر، محافظة الدقهلية ولد فتحى المغربى فى 3 أغسطس 1932.

وحين تخرج فى كلية الهندسة كان على موعد مع مفتتح التحول الثورى الكبير فى تاريخ وطنه، 23 يوليو 1952، فانتمى إلى حلمها ومشروعها وحركتها، وتقلب معها بين الانتصار والانكسار، لكنه حفظ عهدها وسعى نحو غاياتها حتى راحته الأخيرة بين يدى الله فى 27 سبتمبر 2004.

فتى أتميده الذى نشأ فى ظلال الاحتلال، وطلب مع جيله الجلاء التام أو الموت الزؤام، شهد بعينيه رحيل آخر جندى بريطانى عام 1956، وتابع فخورا نهوض مصر من ركوعها الطويل، مصر التى أكرهت لسبعين عام أن تكون خاتماً تزين به الإمبراطورية العجوز أصابع يدها الطويلة، تسترد الاسم والعناوين: تؤمم القناة، تنتصر على العدوان الثلاثى، تلهم حركات التحرر الوطنى، تقود صحوة الشعوب العطشى للحرية، وزعيمها "ناصر" مع "نهرو" الهند و"تيتو" يوغسلافيا يتسنمون قمة حركة عدم الانحياز. ثم ها هى جمهورية الثورة تنفتح على أشواق العدالة الاجتماعية، تعيد الأرض للفلاح، تبنى السد العالى، تؤسس الصناعة الوطنية، تؤمن حق التعليم الجامعى بالمجان، وتحقق أعمق وأوسع تغيير اجتماعى فى تاريخ مصر، وأول وآخر إنصاف جماعى لفقرائها، الذين طالما نهب ثروتهم الطغاة والمستعمرون.

وكان طبيعياً أن ينتمى الشاب النبيل لهذا المشروع الوطنى النبيل وأن يخلص له بقلبه وفكره وجهده.

فلما زلزلت الأرض زلزالها فى يونيو 1967 وانكشف ما عشش فى مسيرة الثورة من عفن فى كهوف الدولة. كان فتحى المغربى فى حشد الغاضبين الذين رفضوا الاستسلام للهزيمة دون أن يتسامحوا مع الأخطاء والخطايا التى أودت بمصر، وكان مع الملايين التى اتخذت قرارها: "هنحارب" واستعدت لدفع فاتورة هذا القرار.

وبينما كان قادة (إسرائيل) المنتصرون ينتظرون بجوار الهاتف ــ كما يروى ديان فى مذكراته ــ اتصالاً من عبدالناصر "المهزوم" لكى يعيدوا له كامل أرض سيناء التى احتلوها مقابل اعترافه بدولتهم، كانت إجابته مع الشعب قاطعة: "لا صلح، لا اعتراف، لا تفاوض، ولا تفريط فى حقوق فلسطين".

هى لحظة كاشفة لعبقرية هذا الشعب العظيم الذى يستعصى على الهزيمة ولا يفرط فى الأمل.

وهى أيام بذل الدمع والعرق والدم والجهد، وهى أصعب وأمجد أيام عبدالناصر الذى اعترف بمسؤوليته وأخطاء سلطته وانتقد نفسه واستوعب مشاعر شعبه المخذول وشبابه الغاضب، وشرع فى إعادة بناء القوات المسلحة وأجهزة الدولة والتنظيم السياسى.

فى ملحمة هزيمة الهزيمة، صعد فتحى المغربى من صفوف الجندية إلى مواقع القيادة على رأس التنظيم السياسى "الاتحاد الاشتراكى العربى" فى محافظة الدقهلية، أكثر محافظات مصر ثراء بالمثقفين والمبدعين والمناضلين السياسيين، وعضواً منتخباً بالبرلمان "مجلس الأمة" ولجنته الدائمة.

ومن موقعه القيادى المرموق انتقل إلى السجن ضمن أحداث الكوميديا السوداء التى جرت فى 15 مايو 1971، ومكنت السادات من الانفراد بالسلطة.

كان قدر الرجل الذى رأى بعينيه تأسيس الجمهورية الأولى، جمهورية الثورة، وواكب بوجدانه وفكره وجهده مراحل بنائها، أن يشهد نهايتها وتفكيكها عبر خطوات ثلاث: اولها محادثات الكيلو 101 التى دشنت سياسة الإتجار بدم شهداء عبور أكتوبر العظيم، وثانيها قوانين الانفتاح الاقتصادى التى مكنت الذين "هبروا" من رقاب الذين "عبروا"، ثم ثالثة الآثافى كامب ديفيد التى أخرجت مصر من قيادة أمتها العربية وحركة التحرر الوطنى العالمية ورمتها فى قفص التبعية للإدارة الأمريكية والسلام المستحيل الذليل مع عدوها (إسرائيل).

سقطت جمهورية الثورة، وأسس السادات جمهورية الردة، الجمهورية الثانية، التى واصلت حكم مصر مع سلطة مبارك، حتى أكلتها الشيخوخة، وضج الشعب من الفقر والفساد والتبعية والاستبداد، فأصدر حكمه التاريخي العادل  عليها، وتقدم لتنفيذه بجموعه الهادرة في ثورة 25 يناير، وهي أجمل وأنبل ذرى المد الشعبي في تاريخنا.

تمكن الشعب من تنفيذ حكمه في رأس النظام، لكن النظام نفسه أفلت من عدالة الشعب، ثم ما لبث أن استرد سطوته تحت سلطة السيسي الذي منح الجمهورية الثانية وقتاً إضافياً استردت فيها سياساتها القديمة بوجوه جديدة أوغلت في تنفيذها بأكبر قدر من تدنى الكفاءة وأقل قدر من حُمرة الخجل.

واصل فتحى المغربى دفاعه عما آمن به، معارضاً صلباً لجمهورية الفقر والفساد والتبعية والاستبداد، فكان بين مؤسسى حزب التجمع 1976، وفى طليعة مؤسسى الحزب الناصرى، وانتخب أميناً له بمحافظة الدقهلية، وكان موضع ثقة واحترام كل الناصريين على ما بينهم من تفاوتات طبيعية وخلافات ثانوية.

فلما ضاق الحزب الناصرى بالخلافات المشروعة بين جيل الكبار من ناصريى الدولة وجيل الشباب من ناصريى الشارع، ولم تتسع "حكمتهم" لاستيعاب "طيشنا"، أصدروا قراراً بتجميد عضويتنا، وكان الفراق.

وحده فتحى المغربى من بين كل الكبار قرر أن ينتصر لنا.

تقدم الرجل بشيبه الوقور ومكانته العالية التى يقدرها كل من عرفه، ووثق فى الشهر العقارى توكيلاً لاثنين فى سن أبنائه (أمين إسكندر وكاتب هذه السطور) مؤسساً فى "حزب الكرامة".

لن ننسى شعورنا بالثقة والزهو ونحن نرى اسمه يتصدر قائمة المؤسسين. وهو فضلُ نذكره له وللمخرج المبدع الكبير يوسف شاهين والقيادى العمالى الكبير فايز الكارتة.

وحين أقدمنا على تأسيس شركة مساهمة لإصدار صحيفة "الكرامة"، كان الرجل حاضراً برعايته وحدبه، وبماله مكتتباً فى أسهم الشركة، وبثقته التى ظل يمنحها لنا بمحبة حتى يومه الأخير.

***

حين رحل الجد كان حسام فى الثانية والعشرين، وكانت العلاقة بينهما قد أصبحت صداقة بين الجد والحفيد الذي تخطى عتبة الرشد وأتم دراسته الجامعية، ووضع قدمه على طريق العمل العام فى خضم الحركة الطلابية بجامعة المنصورة، وأثبت استعداده النضالى وقدراته القيادية فى نادى الفكر الناصرى، واختار شريكة حياته "شروق"، ولها من اسمها نصيب، التى شاركته أفكاره وآمنت بها وبه، وهيأت له بيتاً يمكنه من آداء دوره، ويرضى بكل تضحية يقدمها مؤمناً أنها الطريق لسعادة كل البيوت فى الوطن.

كانت الملامح الأساسية لتكوين حسام مؤنس النفسى والسلوكى والفكرى والحركى قد تشكلت فى هذه البيئة الخصبة الصالحة لتنشئة مناضل أصيل وقائد واعد، وهذه مأثرة غالية من مآثر فتحى المغربى.

غير أن الحديث عن هذه المأثرة لا يكتمل إلا بذكر الأم العظيمة، السيدة الأصيلة نجلاء المغربى، هذه الروح الرهيفة والنفس الراضية، بابتسامتها الكريمة التى تغلف حزنها المعتق، هى التى امتحنت بترمل مبكر، فاختارت أن تكرس حياتها لوحيدها، ترد عنه وجع اليتم، ولا ترى سعادتها الا في سعادته وتحققه، فكانت له أماً وأباً وصديقة وسندا وراعيا ومشجعا، وها هى فى محنة سجنه تكظم لوعة الأم، وتتجلى صابرة صامدة مترفعة محتسبة مستبشرة، فخورة بابنها، واثقة أنه سيعود إليها وإلينا، منتصراً مرفوع الرأس.

سيدة عظيمة تليق بابنها وأبيها.

***

"3"

.. وأما النبع الثانى الذى يصب فى هذا النهر الصافى العفى فهو حسام مؤنس.

التقيت حسام وهو شاب واعد مكتمل التأهل لدوره الكبير، ومن قبل ان اراه كان نهر محبته جارياً في جنة قلبي من ينبوع فتحي المغربي، فاضاف بالأصالة عن نفسه ينبوعه الخاص طوال سنوات من مسيرة عسيرة شائقة شائكة لا تتسع الصفحات لوقائعها، أغنت النهر وأنبتت على ضفافه بساتين نضرة من تبادل الفهم والثقة والشراكة المتكافئة.

وعبر نضاله المخلص من الحركة الطلابية ونادي الفكر الناصري إلى تأسيس الكرامة حزباً وصحيفة، إلى فاعليات "كفاية" إلى الإنجاز الأكبر الذي تعمد فيه جيله الشاب في ثورة يناير، إلى قيادة حملتي الانتخابات الرئاسية 2012 ثم 2014، إلى تأسيس التيار الشعبي المصري وجبهة الانقاذ وحركة تمرد، إلى الموجة الثانية للثورة الشعبية في 30 يونية - التي سُرقت كالموجة الأولى - إلى الحملة الشعبية للدفاع عن مصرية تيران وصنافير الى معركة التصويت بلا، ضد العدوان الأخير على الدستور حتى الإسهام في محاولات إقامة تحالف الأمل.. في كل هذه المحطات النضالية كانت السمة الأساسية المميزة لحسام هي انتماؤه للمستقبل.

فالشاب الذي قطع هذا الطريق ليزيح عن كاهل مصر عبء الجمهورية الثانية لم يطلب استعادة الجمهورية الأولى التي ترتبط بالزعيم الذي انتمى لفكره وبالجد الذي نشأ تحت عباءته، وإنما طلب إقامة الجمهورية الثالثة التي تلبي طموحات جيله، وتسترد حقوق الشعب، تنهي الجمهورية الثانية بلا رجعة، وتصوب أخطاء الجمهورية الأولى وتضيف إلى مقاصدها الباقية في الاستقلال الوطني والعدالة الاجتماعية ما غاب عنها من الديمقراطية السياسية والحريات غير المنقوصة لكل المصريين.

وسمته الأساسية الثانية أنه بوعي ومكابدة استطاع النجاة من شرك التعالي على الأيديولوجيا وفخ التعالي بالايديولوجيا.
يعتز بمرجعيته الفكرية ويلتزم مقاصدها دون صنمية تلجمه عن التجديد. يعتز بهويته الفكرية دون أن يسفه هويات الآخرين، هذه الميزة على مستوى التنظير أهلته للميزة المكملة على صعيد التنظيم، وهي الاقتناع بضرورة التنظيم كقاعدة قوة لا بد منها للتواصل والتكامل مع باقي التنظيمات والقوى على برنامج مشترك، الحزب عنده جسر وصل مع القوى الوطنية لا جدار فصل عنها.

و بهذه السمات مقترنة باستقامته ونزاهته ودماثة خلقه حاز قبولا واسعا عابرا للحواجز الفكرية والحزبية والجيلية، وكم احترمت نبل ونضج ابناء جيله الذين لا يقلون عنه اخلاصا واجتهادا واقروا له طوعا واقتناعا انه الاجدر بينهم بالقيادة، هذه روح تبث الأمل في قدرة هذا الجيل علي بناء الجبهة الوطنية المدنية الديمقراطية، وهي اهم اداة يحتاجها النضال الوطني الآن .

========
يوم 7 يوليو احتفل حسام بعد ميلاده الـ 37 في الزنزانة، وعندما كان فتحي المغربي في نفس السن كان على رأس العمل السياسي والبرلماني في محافظة الدقهلية، مفارقة تكشفها المقارنة بين الجد والحفيد.
وهي تفتح باب المقارنة بين سلطة الجمهورية الأولى التي كانت تبحث عن الشباب ليحملوا أمانة القيادة وبين سلطة الجمهورية الثانية التي لا زالت تبحث عن الشباب ولكن لتودعهم السجن.

ثم يتطوع البعض لترويج أن سلطة الردة هي امتداد لسلطة الثورة، وحجتهم الأكثر رواجاً أنهما يرتديان نفس البدلة العسكرية، وهل يستطيع لون البدلة مهما كان مموهاً أن يحجب التناقض بين التحرر الوطني والتبعية؟ بين العدالة الاجتماعية ورأسمالية السوق؟ بين التنمية المستقلة والخضوع لصندوق النقد؟ بين قيادة الأمة العربية والالتحاق ببعض محاورها؟ بين محاربة الكيان الصهيوني والترويج للسلام الدافىء؟ بين بناء السد العالي وبناء سد النهضة؟ بين الانتصار للفقراء والانتصار على الفقراء؟
ما لكم كيف تحكمون؟
===

ومن عطايا جنة القلب أنها تمنحك القدرة على أن تضفي عليها ما تشاء، لهذا تشبه كل جنة صاحبها، يرى فيها ما يحب عظم أو صغر ما دام مغسولاً بنور المحبة، ويحقق فيها ما ضنت عليه به الأيام، من تحرير فلسطين إلى حضور حفل فيروز في بيت الدين إلى مسامرة أحبائك الغائبين في الزنازين.

وهكذا سهرت مع حسام وزياد وهشام في زنزانتهم، وسمعت حسام يغني رغم أني طول السنوات التي صحبني بها لم اضبطه ولو مرة متلبسًا بالغناء.
والغناء في الزنازين من أمضى أسلحة المسجونين، ولم يزل في سمعي صوت كمال أبو عيطة يغني "عشان لقوني يا مصر شايلك جوه صدري غربوني" في ملحق مزرعة طرة / حملة سبتمبر 1981.

وصوت كمال خليل يغني "مصر ياما يابهية" في سجن المزرعة في حبسة الفلاحين 1997، وأنا أردد وراءه مع د. محمد عبده يرحمه الله وحمدي هيكل ومحمد فياض وسيد الطوخي ومحسن وزكي شعراوي.

ورغم أن محمد منيب الذي زاملته في حبسة التنظيم الناصري المسلح 1986 في مركز مكافحة الإرهاب الدولي بطرة كان ممنوعاً مثلناً من الغناء والكلام والابتسام، إلا انني استحضره دوماً، وهو في محبسه الآن وصوته يتألق "يا غصن نقا مكللاً بالذهب .. أفديك من الردى بأمي وأبي".

و ها هم فرسان الأمل الثلاثة يشهرون سلاح الغناء في زنزانتهم وأنا أردد معهم كلمات محمد سيف في نشيد الشيخ أمام
"بكرة الآتي آت / بكرة الدنيا هاتبقى في إيدي/ بكرة الآتي آت/ ياما هاينعم فيها وليدي/ بكرة الآتي آت"
 

***

أشطر بيت محمود درويش، وأتشاطره مع حسام

هو، هناك، يفعل ما يفعل السجناء

وأنا، هنا، افعل ما يفعل العاطلون عن العمل

وهو وكل السجناء هناك، وأنا وكل العاطلين عن العمل هنا نشاطر شعبنا أداء واجب نبيل:

"أمام الغروب وفوهة الوقت/ قرب بساتين مقطوعة الظل/  نفعل ما يفعل السجناء/ و ما يفعل العاطلون عن العمل / نربي الأمل "

**

أدخل جنة قلبي وأمد بصري إلى الماضي، فأرى فرح فتحي المغربي بحفيده مذ كان طفلاً حتى صار صديقه الشاب، ويغلبني الامتنان لحسام على ما أضفاه من سعادة على حياة جده لا يقدرها  إلا من ذاق نعمة أن يكون جداً. استطيع الآن أن اتمثل مشاعره لانني اتذوق حلاوتها كلما ناديت حفيدي (4 سنوات) "السلام عليكم ياأخي يوسف" ويستخفني الطرب إذا ما رد عليّ "السلام عليكم يا أخي جدو".
وأمد البصر إلى المستقبل فأرى يوسف شاباً واعداً صديقاً لحسام، يعينه ويؤازره ويشاركه، لا في النضال ضد الجمهورية الثانية المتداعية، بل في بناء الجمهورية الثالثة الفتية؛ جمهورية العدل والمحبة.

 ناضل فتحي المغربي وجيله بشرف .. ولم يصلوا
وناضلت وجيلي بشرف.. ولم نصل
ويناضل حسام وزياد وهشام وجيلهم بشرف.. وسيصلون
.

حمدين صباحى
القاهرة سبتمبر 2019

أهم الأخبار

اعلان