18 - 09 - 2019

الدكتور جودة وغواية السلطة

الدكتور جودة وغواية السلطة

قليلون هم الذين لا يخونون أنفسهم، ولا تُفْسَدْ طبائعم ولا تختل موازينهم، ويحافظون على بساطتهم وصلاتهم التلقائية بالحياة والناس، مهما تبوأوا من مناصب أو تمتعوا بسلطة حتى لو كانت سلطة شبه مطلقة، والدكتور جودة عبد الخالق من هذه القلة المتصالحة مع نفسها، القادرة على الاستغناء، المنحازة إلى أهلها الغلابة.

قد تكون يساريته لعبت دورا مهما في هذه الخصال، لكن ما أكثر اليساريين الذين انقلبوا عليها، وساروا في الطريق العكسي رافعين عشرات الحجج والأعذار.. ويبدو أن خصال الدكتور جودة خلقة وبيئة وتعليما وتجاربا، فأصبحت نسيجا من خلاياه العقلية والنفسية.

وقد تأملت عبارات شديدة الخطورة وردت فى  كتابه الجديد "مع الغلابة ـ تجربتي في الوزارة"، وهو لم  يظهر بعد، لكن الزميلة  "المصري اليوم" نشرت منه فصلين فقط.. والدكتور جودة نفسه من الغلابة، الذين صعدوا السلم بكفاح وحب وإصرار ونزاهة، ولم يتخل في أي وقت عن هؤلاء "الغلابة"، وما أكثرهم في بلادنا، ومازال يدافع عنهم، ويفسر لهم أن أحوالهم مرتبطة بإصلاح اقتصادي يزيد من السلع والخدمات باضطراد، حتى ترتفع مستويات معيشتهم، وليس مجرد إصلاح مالي يعالج خللا ما في الموازنة العامة.

يقول في عبارة من عبارات الخطيرة: "وأشد ما كنت أخشاه عند دخولي الوزارة هو إغراء السلطة أو غواية السلطة.. فالوزير فى وزارته مَلِكٌ غير متوج. فهو الآمر الناهى، آراؤه خلاصة الحكمة، وتوجيهاته أوامر لا ترد.. الحراس فى كل مكان، والحجاب عند كل باب". 

عبارة جامعة شاملة تلخص جزءا كبيرا من تاريخ مصر وأسباب عدم قدرتها على حل مشكلاتها حلا نهائيا، فعلاقة المصريين بالسلطة علاقة ملتبسة للغاية، خاصة لو كانت سلطة شبه مطلقة سواء خاضعين لها أو قابضين على زمامها، تغييرات بيولوجية وسيكلوجية هائلة، في الحالة الأولى يتقزم المواطن وينحنى وينصاع ، لا يكتفى بالمشي جنب الحائط، ربما يدخل إليه، كأنه يتعرض لتهديد دائم يستحيل التعايش معه فلا يتقاطع معها إلا في حالات الضرورة القصوى .

وفي الحالة الثانية يتعملق ويتحول إلى كائن خرافي، يُسخف على خلق الله ويستفز مشاعرهم أو يحاول إذلالهم، كما لو أنه يمتحن قدرة عباد الله على الانصياع والصمت، ويبدو كل صاحب سلطة من هذه النوعية كما لو أنه "مستبد بالسليقة"، ولا مانع من أن يعطف على بعض الناس ويدافع عن أخرين، من باب العدالة الكاذبة، بل أن القربيين من أصحاب هذه السلطة يتصرفون  بغطرسة، وتصرخ تصرفاتهم في كل من يعترضهم مصادفة أو عمدا أنهم "تحت الحماية"، "أنت عارف انت بتكلم مين". 

 قطعا هي علاقة تستحق دراسات وأبحاث من المراكز والمعاهد المتخصصة، لعلنا نفك العلاقة الملتبسة ونجد مخرجا منها.

وإغراء السلطة وغوايتها أشد تأثيرا وجاذبية من غواية أجمل نساء الأرض، السلطة هي مثلث برمودا من يسقط في دومتها لا يهرب من قوتها، ولا يعود إلى طبيعة البشر العاديين إلا بالصدمة، كأن النداهة خطفته إلى قاع البحر وسقته من سحر فتنتها.

ولا تنسوا أن السلطة كانت جسرا إلى النساء والثروة أيضا.

ويصعب تعريف السلطة بسبب تعدد صفاتها، كما أن مفهومها دائم التطور عبر التاريخ من عصور الإمبراطوريات إلى الديمقراطيات، لكن السلطة بمعناها الواسع هي شكل من أشكال القوة، القوة الشرعية المؤثرة على سلوكيات الآخرين. باختصار هي قدرة يقابلها طاعة أو إذعان.

ويقسم ماكس فيبر عالم الاجتماع الألماني الشهير السلطة إلى ثلاثة أشكال، سلطة تقليدية تستمد شرعيتها من احترام التقاليد والعادات والقيم الثقافية الراسخة، وسلطة كاريزيمية تستند إلى مواهب وقدرات شخصية تلهم التابعين الولاء والطاعة، وسلطة عقلية قانونية تعتمد على القواعد الرسمية والقوانين المعمول بها في الدولة، وتسمي أيضا السلطة البيروقراطية.

ويبدو الدكتور جودة عبد الخالق أنه خشى من امتزاج السلطة القانونية بالسلطة التقليدية التي لها تراث في بلادنا يمنح السلطة القانونية قدرات شبه مطلقة.

وقد شاء الحظ أن كان لي صديق موظف جامعي  بالإدارة الوسطى في مؤسسة عامة ذات طابع خاص ، مثقف ومجتهد، وصاحب رؤية نقدية للحياة والناس، وكان دائم التألم من نظام العمل، الذي حول رئيس مؤسسته العامة إلى نصف إله، سطوة بلا حدود، حين يدخل إليها في الصباح، يتراص موظفو الأمن في المدخل، ويققز موظفو الاستقبال أعمدة صماء، تُوقف مصاعد المبني الأربعة، ينزل من سيارته في تشريفه ولا ملك متوج، يدخل إلى المصعد الخاص ومعه أمنه وغير مسموح أن يركب معه..الخ.

وكان الرجل الكبير له شلة يثق فيها، تحيطة تماما وتعزله عن بقيه موظفيه وعماله، تنفذ أوامره وتذلل له كل مطالبه، فمنحها العطايا والامتيازات..

سنوات وهو يصف لي هذه الصورة، وفجاة قال: سوف انضم للحزب الوطني الحاكم.. لن يحدث تغيير للأوضاع المائلة إلا من داخل السلطة، فلماذا نحارب من الخارج، علينا ألا نترك الساحة للمنافقين والمتسلقين.

وفعلا انضم إلى الحزب وصعد نجمه إلى حد ما، ودارت عجلة الحظ دورة كاملة، ثم وقفت تحت رجليه، فتبوأ المنصب المرموق، فإذا به في أقل من عامين يتحول إلى نفس الرجل الأول الذي كان يرفضه.

تابعت انقلابه مندهشا، وفي لحظة صفاء نسترجع فيها ذكريات وأحلام الصبا سألته: ماذا حدث؟

أجاب ببساطة: هذا نظام صارم مسيطر أقوى من أي رغبات شخصية أو مبادئ أو مثل، نظام غير مكتوب، عبارة عن تراث وثقافة وتقاليد.

من أول لحظة دخلت مكتبي، انتقلت إلى أرض الأحلام، أو هكذا أحسست، المديرون يجندون أنفسهم تلقائيا لخدمتك، وإذا جال في خاطري شيئا يٌجاب فورا، ويستخرجون لك من اللوائح والقوانين تفسيرات تحولها إلى عمل قانوني، أشطر من اللعب بالثلاث ورقات، بمجرد أن أقف يقفون، أمشي يمشون خلفي، أجلس ينتظرون إشارتي للجلوس، شئ لا يمكن وصفه، كأنك تسبح في السماء.

صدقني لو توقفت أو حاولت أن أعدل من نفسي، لن امكث في منصبي بضعة أشهر، سينقلبون ضدي حفاظا على امتيازاتهم. واختفى صديقي بعد ٢٥ يناير ٢٠١١.

لكن الدكتور عبد الخالق لم يختف بعد الوزارة لأنه لم يلتفت لغواية النداهة.
_____________
بقلم: نبيل عمر

مقالات اخرى للكاتب

الدكتور جودة وغواية السلطة

أهم الأخبار

اعلان