17 - 10 - 2019

17 مليار جنيه تكلفة مقرين جديدين للحكومة.. فقه الأولويات غير معترف به في مصر!

17 مليار جنيه تكلفة مقرين جديدين للحكومة.. فقه الأولويات غير معترف به في مصر!

المصريون يتساءلون: لماذا مقر صيفي للحكومة في العلمين الجديدة تتجاوز تكلفته الملياري جنيه؟
 خبراء ينتقدون غياب " فقه الأولويات" ويحذرون من بيع " المقرات التاريخية"
مصطفى كامل السيد: دعواتنا بأن يلهم " الجو اللطيف" حكومتنا الأولويات الصحيحة!
- د. عبدالخالق فاروق: القاهرة ستكون بلا روح أو حياة بعد اخلائها من مبانيها التاريخية

جدد انتقال مجلس الوزراء بكامل طاقمه الوزاري إلى مبناه الفخم في مدينة العلمين الجديدة، تندر المصريين على حالهم مع كل مشروع ضخم فائق التكلفة، وحفلت مواقع التواصل الاجتماعي بالعديد من الاقتباسات الساخرة عن حال الحكومة التي ذهبت للاستجمام في مدينة العلمين الجديدة، ولم تكتف بمقر فخم بالعاصمة الإدارية التي تقدر تكلفة انشاء المقرات الحكومية فقط بدون التجهيزات، حسب بعض التقديرات بنحو 15 مليار جنيه.

 وكان للروائي الراحل أحمد خالد توفيق، حظاً وفيراً من هذه الاقتباسات، عندما تخيل حال مصر في المستقبل بقوله في روايته الشهيرة "يوتوبيا": "يتركون العاصمة القديمة لتحترق بأهلها وتندثر ظلماً، وقهراً، وفقراً، ومرضاً، وسيذهبون إلى عاصمتهم الجديدة؛حتى لا تتأذى أعينهم بكل ذلك الدمار"

هل كانت البلد بحاجة إلى عاصمة إدارية أخرى على الساحل الشمالي؟ ولماذا يشيد مقر آخر للحكومة يستغل فقط خلال شهور الصيف التي لا تتجاوز ثلاثة أشهر، بعدها تحمل الحكومة حقائبها كغيرها من المصطافين، عائدة إلى القاهرة للبيات الشتوي، تاركة مقرها الفخم مغلقاً، كحال آلاف الشاليهات والقرى السياحية المنتشرة على امتداد الساحل الشمالي؟

المقر الصيفي...وتكاليفه

تبعد العلمين عن مدينة الإسكندرية التي يتوفر بها مقر صيفي يعود تاريخه لأكثر من 100 عام، بنحو 150 كم، إلا أن تكلفة المقر الصيفي الجديد في العلمين تقدر بنحو ملياري جنيه، بحسب شركة كونكورد للهندسة والمقاولات، وهي واحدة ضمن شركات أخرى تنفذه، وقالت الشركة إن نسبة كبيرة من الأعمال الإنشائية للمقرات الحكومية بالمدينة تنفذها شركتي "أبناء حسن علام" و"أوراسكوم".

ويعتبر مراقبون أن الكشف عن تكليف شركات خاصة بأعمال المقاولات للمقرات الحكومية، حسبما أُعلن،  أمر غير معتاد في عهد الرئيس السيسي، الذي اعتاد إسناد تلك الأعمال للجيش، والسبب بحسب مصادر، يرجع إلى أن الهيئة الهندسية للقوات المسلحة، أخطرت الرئيس في بداية الإعداد لمشروع العلمين الجديدة، بعدم استطاعتها تولي الإشراف عليه وإنهائه قبل عام 2021 كما طلب الرئيس، في ظل إشرافها الكامل على العاصمة الإدارية الجديدة، وانشغالها بتنفيذ مشاريع الطرق والجسور المؤدية للمحاجر والسواحل الجنوبية.

ودفع إعتذار الجيش، وزارة الإسكان لإختيار 6 شركات من القطاعين العام والخاص، للمشاركة في المشروع وهي: "حسن علام، وأوراسكوم، ومجموعة درة، ورديكون، وسياك، والمقاولون العرب"، وذلك بعد إجازتها جميعاً أمنياً.

الدكتور مصطفى مدبولى، رئيس مجلس الوزراء، برر فى تصريحات صحفية أن السبب وراء إنشاء مقر جديد آخر لمجلس الوزراء بالعلمين  بقوله إنه يُعطى رسالة مهمة بأن هناك إرادة وعزم، لتكون مدينة العلمين الجديدة، مستدامة العمل طوال العام، وليست مصيفًاً يستغل لشهرين فقط.

وأضاف أنه يتم حالياً إنشاء منطقة سكنية بالمدينة، وأخرى صناعية، بخلاف الجامعات والمبانى الخدمية الأخرى التى يتم تنفيذها.

ويعتبر المقر الحكومي في العلمين، الأول من نوعه خارج القاهرة حيث يتم إعداده ليكون جاهزاً لإستضافة اجتماعات مجلس الوزراء، ومجلس المحافظين، ويضم قاعات كبرى، وأماكن لإقامة مرافقي الوزراء، وسكرتارية مجلس الوزراء، والأمانة العامة، وهيئة المستشارين.

وكشفت المصادر أن  تكاليف إنشاء القصر الرئاسي، والمقر الحكومي، تتحمّلها حتى الآن هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة، بإعتبارها جزءاً من العملية الإجمالية للمشروع، وقالت المصادر إن استحداث القصر الرئاسي، والمقر الحكومي أدى إلى تغيير جغرافية المدينة الساحلية الجديدة؛ ذلك أن إبعاد المقرين عن المخاطر الأمنية ومنحهما خصوصية استثنائية، سيتم بسببه الفصل بين المناطق الترفيهية والثقافية وبين الطريق الساحلي العمومي الواصل بين قرى الساحل الشمالي، بطريق آخر مؤمن عسكرياً يؤدي حصرياً للمقرين الجديدين.

وحسب المخطط الحكومي، ستتشابه "العلمين الجديدة" مع "العاصمة الإدارية" في ضخامة المشاريع السياحية والترفيهية المستهدف جذبها، كما ستضم أبراجاً سكنية سياحية ضخمة أشبه بالأبراج المقامة في مدن الخليج العربي، وتبلغ مساحتها 50 ألف فدان، على بعد 60 كم جنوبي الشريط الساحلي، وستفصل المدينة عن المشروعات السياحية الأخرى، وحولها مجاري مائية صناعية وبحيرات، ومن المستهدف أن تستوعب المدينة 3 ملايين نسمة.

وتحدث نشطاء عن أن تكلفة نقل المقرات الحكومية، وعددها 43 مقرا، بما فيها مقر رئاسة الوزراء، إلى العاصمة الإدارية تخطت 150 مليار جنيه، رغم ادعاء اللواء محمد عبد اللطيف، الذي جاء خلفاً للواء أحمد زكي عابدين، في رئاسة شركة العاصمة الإدارية الجديدة، أن الشركة ليس لها أي علاقة بالأمور المالية بالموازنة العامة للدولة، وأن جميع أجهزة الحكومة وهيئاتها ستنقل للعاصمة الإدارية الجديدة عام 2020.

غياب الأولويات

وينتقد العديد من الاقتصاديين غياب ما يسمى بفقه الأولويات لدى النظام الحالي، وكما كتب الدكتور مصطفى كامل السيد، رئيس مركز دراسات الدول النامية بجامعة القاهرة على صفحته تحت عنوان "غياب الأولويات في الإنفاق الحكومي" :"كل ما أرجوه هو أن يلهم لطف الجو في العلمين الجديدة، حكومتنا على أن ترى الأولويات الصحيحة للمواطنين المصريين، الذين يعيش ثلثهم تقريباً تحت خط الفقر، وفقا لدراسة الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء التي لا تريد (الحكومة) نشرها، والذين زاد عددهم بفضل سياساتها الحكيمة 4% في الفترة 2016- 2018، وربما ساهمت قراراتها الأخيرة في تضخم أعدادهم بأكثر مما قدرته هذه الدراسة"

وتابع السيد، بأن الحكومة تخشى من التصريح بشكل رسمي بأن "العلمين الجديدة" ستكون العاصمة الصيفية لمصر، التي اكتمل بناء مقرها قبل اكتمال مقرها الأساسي الجديد في العاصمة الإدارية، التي لا يقدر موظفوها على العيش فيها، ولذلك تسعى لتسكينهم في مدينة بدر الأقل كلفة.

تقديرات.. ومخاوف

ويقول الدكتور عبد الخالق فاروق الخبير الإقتصادى، إن الدولة حتى الأن لم تعلن تكلفة مقرات الحكومة ونقلها داخل مدينة العلمين، والعاصمة الإدارية الجديدة، لكن يمكن وضع تقدير لها، فإذا تحدثنا عن نقل 20 وزارة بالموظفين، والتكاليف غير المباشرة التى ستكون موجودة بجانب المبانى، وتكاليف الإعاشة وغيرها سنرى أنها ستكون بمبالغ طائلة.

فعلى سبيل المثال كما يضيف، فإن مقر مجلس الوزراء داخل مدينة العلمين الجديدة سيكون به ملحق يضم أماكن للإقامة وإستراحات للوزراء ،ومنتجع لهم، واذا تحدثنا عن المبنى بتجهيزاته فقط، فلن تقل تكلفته عن مليار جنيه، ومن الممكن أن تصل تجهيزاته الى 700 مليون جنيه، غير تكاليف التشغيل، والمبانى الملحقة به الخاصة بالوزراء.

وتوقع فاروق، أن تصل تكلفة مقرات الحكومة داخل العاصمة الإدارية الجديدة إلى 15 مليار جنيه، كمبانى حكومية فقط، بدون التجهيزات والمبانى الملحقة بها، مضيفا:"بعد إخلاء القاهرة من المقرات الحكومية الحالية ستكون العاصمة فارغة بلا روح وحياة، وسيتم إهمالها وإهمال من يعيشون فيها نهائياً".

وبحسب مصدر خاص تحدث لـ "المشهد" فإن هناك إمكانية لأن يكون الهدف من إخلاء المباني التاريخية بالقاهرة هو تأجيرها، والإستفادة بأرباحها لصالح البعض، لا لجيب الشعب. ويضيف :" تغيير مقار مجلس الوزراء، والبرلمان، يعتبر محواً لجزء من تاريخ مصر، فمباني القصور الجمهورية، ومجلس النواب، ومجلس الوزراء، وبعض الوزارات يجب عدم التفريط فيها مها كان ثمن بيعها أو قيمة تأجيرها، فهذه المباني جزء من حضارة وتاريخ مصر، يجب احترامه والمحافظة عليه".

الحي الحكومي في العاصمة الإدارية

يعتبر الحي الحكومي أحد معالم العاصمة الإدارية الجديدة، ويقع على مساحة 1133 فدانًا بما يعادل 4.8 مليون متر مربع، وتشمل المرحلة الأولى من الحي مبنى مجلس النواب، ومجلس الوزراء، بالإضافة إلى المرحلة الأولى من المباني الوزارية بإجمالي 34 مبنى على مساحة 153 فدانًا

ويعمل ما يقرب من 18 شركة كبيرة من الشركات المصرية الوطنية في تنفيذ الحي الحكومي، تحت إشراف الهيئة الهندسة للقوات المسلحة، ومن المقرر نقل عدد من الوزارات هى: الإنتاج الحربي، العدل، والأوقاف، الإسكان، التربية والتعليم، التعليم العالي، التموين، الصحة، إلى جانب نقل مقرات رئاسة الجمهورية ومجلس الوزراء، والبرلمان.

ويعتبر مجلس النواب أحد أبرز المباني، ويقع ضمن مباني الحي الحكومي، ويتكون من بدروم ودور أرضى و8 أدوار متكرر بإجمالي مساحة مبنية 149 ألف متر مربع بنسبة تنفيذ تجاوزت الـ20%، كما يتكون مجلس الوزراء من بدروم ودور أرضى و3 دور متكرر بإجمالى مساحة مبنية 74 ألف متر مربع ونسبة تنفيذ30% 
-----------------
تحقيق: بسمة رمضان
من المشهد الأسبوعي.. الآن مع الباعة

أهم الأخبار

اعلان